اسماعيل بن محمد القونوي

485

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مخصوصة وهي المراد هنا وهذه الجنان السبع على ما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما اسم لدرجة مخصوصة وقد يستعمل كل واحدة منها في مطلق الدرجة والظاهر أن التفاوت على حسب الترتيب الذي ذكره ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فالأعلى جنة الفردوس كما عرفت ثم جنة عدن وهكذا إلى عليين وقد يراد بالعليين المكان الذي هو محل كتاب مرقوم فذلك المكان إما السماء الرابعة أو السابعة وكلاهما مرويان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أو هي قائمة العرش اليمنى أو سدرة المنتهى أو أعلى الأمكنة وقد يطلق على الكتاب الجامع لما فصل في سورة المطففين وهنا اسم لدرجة من الجنان . قوله : ( على حسب تفاوت الأعمال والعمال ) وفيه إشارة إلى التوزيع بقاعدة أن الجمع إذا قوبل بالجمع يقتضي انقسام الآحاد على الآحاد لكن لا بمعنى أن لكل من المؤمنين جنة واحدة إذ القرينة قائمة على خلافه بل بمعنى مقابلة كل أحد من المسلمين بما يختص به من الأعمال . قوله : ( على حسب تفاوت الأعمال والعمال إشارة إليه قال المص في قوله تعالى : نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [ الزمر : 74 ] ) أي يتبوأ كل منا في أي مقام أراده من جنته الواسعة انتهى حيث خصص الجنة بجنة واحد المخصوصة به والتخصيص بالقرينة العقلية قوله : لا لذاته الضمير راجع إلى ما وهذا رد على المعتزلة القائلين بأن الثواب مستحق لذات الإيمان والعمل الصالح وعندنا أن المؤمن العامل كأجير أخذ أجرته قبل العمل لما أنه أداء لشكر ما أنعم عليه من النعم السالفة وما أعطى له في دار الثواب إنما هو محض فضل اللّه تعالى بمقتضى وعده للشاكرين لما منحوه في الدنيا كقوله : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] وفي الكشاف فإن قلت أما يشرط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر الخ وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية فهلا شرط ذلك قلت لما جعل الثواب مستحقا بالإيمان والعمل الصالح والبشارة مختصة بمن لا يتولاهما وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه وأنه لا يبقى مع وجوده مفسدة إحسانا واعلم بقوله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] وقال للمؤمنين وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [ الحجرات : 2 ] كان اشتراط حفظها من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر إلى هنا كلامه هذا السؤال وجوابه إنما هما على أصول قومه فإن الأصل عندهم أن الثواب مستحق بالإيمان والعمل الصالح وهو باطل بل الثواب إنما هو بفضل اللّه لا بهما بل الإيمان شرط والعمل الصالح علامة لذلك بناء على أن العفو عن الكفر لا يجوز عندنا عقلا خلافا للأشاعرة وعلى هذا جواب قوله أما يشترط أن يقال لا وأما قوله أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر إلى آخره فهو أيضا على أصولهم وليس بمستقيم فإن الكبائر لا تحبط شيئا بل الموت على الارتداد هو المحبط لقوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [ البقرة : 217 ] وإذا كان كذلك كانت الشرطية المذكورة في الجواب المصدرة بلما الدالة على حقية المقدم غير صحيحة لأن الاستحقاق ممنوع والملازمة بين المقدم والتالي كذلك لأن ذلك إن كان شرطا لزم الدخول تحت الذكر لا التشبيه بالدخول .